يحيى العامري الحرضي اليماني
519
غربال الزمان في وفيات الأعيان
قال بعضهم : ولا يصدر الشطح من أهل الحال السليم المحفوظين في غيبتهم وحضورهم ، وإنما سمي حالهم سليما لسلامة الناس من الوقوع فيهم حيث استقامت ظواهرهم أقوالا وأفعالا على الكتاب والسنة ؛ فحسن الاقتداء بهم في عموم أحوالهم . وقد قيل للشبلي رحمه اللّه : ما علامة صحتك في حالك ؟ فقال : إنه لا يجري عليّ في أوقات الغيبة ما يخالف الصحة . وقيل للجنيد : إن أبا الحسين النوري بقي سبعة أيام لا يأكل فيها ولا يشرب يقول : اللّه اللّه . فقال الجنيد : انظروه في أوقات الصلاة ، فقيل له : إنه يصلي الفرائض ، فقال : الحمد للّه الذي لم يجعل عليه للشيطان سبيلا . فهذا كله خارج عن عقائد المخالفين المبتدعين الذين اتخذوها مذهبا وألفوا فيها كتبا ، فهؤلاء لا يسع أهل السنة إلا الرد والإنكار عليهم بحسب الإمكان ، واللّه أعلم . سنة تسع وثلاثين وستمائة الإمام العلامة [ أبو الفتح ] « 1 » الملقب بالكمال موسى بن يونس الموصلي الشافعي ، أحد الأعلام ، تفقه أولا على والده ، ثم على السديد التلمساني ، وابن سعدون القرطبي ، والكمال الأنباري وغيرهم ، واطلع على علوم جمة وبرع فيها ، حتى قيل : إنه حقق « 2 » في أربعة وعشرين فنا تحقيقا تاما ، وكان يفيد أهل المذاهب في مذاهبهم ، وأهل الحكمة في فنهم ، حتى قيل : إنه استفاد منه أهل الذمة في التوراة والإنجيل وشرح معانيها . قال اليافعي : وهذا إن صح فمذموم . وكان ابن الصلاح يطنب في الثناء عليه حتى قيل له : من شيخه ؟ فقال للسائل : هذا الرجل خلقه اللّه عالما ، لا يقال : على من تفقه ؛ فإنه أجل من هذا . وكان يتوقد ذكاء ، ويتموج بالعلوم كالبحر . وقد قال بعضهم : إنه أكثر فنونا من الغزالي . قال اليافعي : هيهات أن يلحق بحجة الإسلام الذي كان إفحام الخصوم عليه أيسر من شرب الماء . إمام الهدى المبني على الفضل منشأ * سبوقا على المهر الأغر المحجّل غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد * لغزلي نساجا فكسرت مغزلي
--> ( 1 ) زيادة من ب ومرآة الجنان 4 / 101 . ( 2 ) في ب : صنف .